صديق الحسيني القنوجي البخاري

140

فتح البيان في مقاصد القرآن

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 67 إلى 68 ] وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ( 67 ) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ ( 68 ) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ توبيخ آخر لإخلاف بني إسرائيل بتذكير بعض جنايات صدرت من أسلافهم ، أي اذكروا وقت قول موسى لأصولكم وقد قتل لهم قتيل لا يدرى قاتله ، وسألوه أن يدعو اللّه أن يبينه لهم فدعاه ، والقتيل اسمه عاميل . إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قيل إن قصة ذبح البقرة المذكورة هنا مقدم في التلاوة ومؤخر في المعنى على قوله : وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها [ البقرة : 72 ] ويجوز أن يكون قوله : إِذْ قَتَلْتُمْ مقدما في النزول ويكون الأمر بالذبح مؤخرا ، قال الكرخي وإنما أخر أول القصة تقديما لذكر مساويهم وتعديدا لها ليكون أبلغ في توبيخهم على القتل ، ويجوز أن يكون ترتيب نزولها على حسب تلاوتها ، فكأن اللّه أمرهم بذبح البقرة حتى ذبحوها ثم وقع ما وقع من أمر القتل فأمروا أن يضربوا ببعضها ، هذا على فرض أن الواو تقتضي الترتيب ، وقد تقرر في علم العربية أنها لمجرد الجمع من دون ترتيب ولا معية . والبقرة اسم للأنثى ويقال للذكر ثور ، وقيل إنها تطلق عليهما وأصله من البقر وهو الشق لأنها تشق الأرض بالحرث ، قال الأزهري البقر اسم جنس وجمعه باقر قالُوا أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً أي نحن نسألك أمر القتيل وأنت تأمرنا بذبح بقرة ، وإنما قالوا ذلك لبعد ما بين الأمرين في الظاهر ولم يعلموا ما وجه الحكمة فيه ، والهزو هنا اللعب والسخرية ، وإنما يفعل ذلك أهل الجهل لأنه نوع من العبث الذي لا يفعله العقلاء ، ولهذا أجابهم موسى بالاستعاذة باللّه سبحانه من الجهل . قالَ يعني موسى أَعُوذُ بِاللَّهِ أي أمتنع به أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ أي بالجواب لا على وفق السؤال أو من المستهزئين بالمؤمنين ، وهذا أبلغ من قولك أن أكون جاهلا . قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ أي ما سنها ، وهذا السؤال عن صفة البقرة لا عن حقيقتها فإنها معروفة ، وهذا نوع من أنواع تعنتهم المألوفة ، فقد كانوا يسلكون هذه المسالك في غالب ما أمرهم اللّه به ، ولو تركوا التعنت والأسئلة المتكلفة لأجزاهم ذبح بقرة من عرض البقر ، ولكنهم شددوا فشدد اللّه عليهم . قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ أي لا هي كبيرة ولا هي صغيرة ، والفارض المسنة التي لم تلد ومعناه في اللغة الواسع ، قال في الكشاف وكأنها سميت فارضا لأنها فرضت سنها أي قطعتها وبلغت آخرها انتهى ، ويقال للشيء القديم